السيد عبد الله شبر

548

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

على تقدير تسليم الحديثين وإنّهما خارجان من آفاق الصدق وبازغان من مطلع الحقّ ، يمكن دفع التنافي المفهوم من ظاهرهما بأنّ عيسى عليه السلام حيث كان باقياً بنشأته الصوريّة في عالم الأفلاك إلى آخر الزمان ، كانت الوصيّة الصادرة من عيسى إلى شمعون عند خروجه بقالبه الصوريّ إلى السماء ، وسؤاله ربّه أن يحيي له يحيى بعد وصيّة شمعون إليه وشهادته على يد الأشقياء ، ولا محذور في ذلك ، بل لولا ذلك لوقع التنافي في الحديث الثاني بعضه ببعض كما يظهر لك أخيراً . فإن قيل : هذا الكلام يخالف الظاهر في الحديث الثاني : أنّ عيسى بن مريم جاء إلى قبر يحيى بن زكريّا ؛ لأنّ الظاهر من ذلك أنّ وقوع ذلك يوم إذ كان عيسى في العالم العنصريّ قبل عروجه إلى العالم الفلكيّ . فالجواب : أنّ عروجه إلى العالم الفلكيّ غير مانع من ذلك ، فإنّ المفهوم من الروايات أنّه يزور قبور الأنبياء والأئمّة عليهم السلام ولا استحالة في ذلك ؛ إذ مجيئه إلى قبور شركائه في النبوّة والولاية أقرب مدركاً من الحكم بمجيء الأرواح المفارقة لأجسادها في هذه النشأة ، مع ثبوت ذلك بالروايات الصحيحة الصريحة . على أنّ الظاهر من الحديث أنّ المجيء إلى القبر مجيء روحانيّ أو مثاليّ لا صوريّ . وكذا إجابة يحيى وخروجه من القبر إليه ؛ إذ لو كان ذلك محمولًا على هذه النشأة العنصريّة والحياة الفانية لم يكن لاستعفاء يحيى من العود المتعلّق بالقالب الصوريّ وجه يركن إليه ، ولم يكن لتعليقه عدم قبوله للتعلّق الجسمانيّ بالخوف من حرارة الموت معنى يعتمد عليه ؛ لأنّ حمله على ظاهره يستدعي وقوع التعلّق الجسمانيّ وحصول المغايرة التي كانت موجودة قبل الموت ، فكيف يتحقّق الاستعفاء ممّا وقع ؟ أم كيف يعلّل طلب الاستعفاء بالخوف من لحوق حرارة الموت الذي لابدّ من وقوعه على تقدير عوده إلى حالته التي كان عليها من المفارقة الواقعة قبل طلب عيسى ؟ فعلمنا من ذلك كلّه أنّ سؤال عيسى وإجابة يحيى وخروجه كلّ ذلك إمّا في عالم